الفيض الكاشاني
33
نقد الأصول الفقهية
قبول الرواية . فإذا جهل حال الراوي لا يصلح الحكم عليه بالفسق ، فلا يجب التثبت عند خبره بمقتضى مفهوم الشرط ، وليس الشرط عدم الفسق بل المانع ظهوره . فلا يجب العلم بانتفائه حيث يجهل ، والأصل عدم الفسق في المسلم وصحة قوله . ولا يخفى ما فيه . فإنّ وجوب التثبت في الآية معلّق بنفس الوصف لا بما تقدّم العلم به . منه يدلّ على ذلك تعليل الامر بالتثبت بقوله تعالى : أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ « 1 » أي كراهة أن تصيبوا . ومن البيّن انّ الوقوع في الندم بظهور عدم صدق الخبر يحصل من قبول أخبار من له صفة الفسق في الواقع حيث لا حجز معها عن الكذب ، ولا مدخلية لسبق العلم بحصولها في ذلك . فمقتضى الآية وجوب التثبت عند خبر من له هذه الصفة في الواقع ونفس الامر . ويقتضى ذلك إرادة البحث والتفحّص عن حصولها وعدمه . فيتوقّف القبول على العلم بانتفائها ، وهو يقتضى اشتراط العدالة . إذ لا واسطة بينهما وبين الفسق في الغالب . نعم من كان حديث العهد بالتكليف يمكن في حقّه تحقّق الواسطة بأن لا يقع منه معصية توجب الفسق ، ولا يكون له ملكة لصدق بها العدالة . فانّ ذلك غير ممتنع بالنظر إلى نفس الامر إلّا انّ العلم بوجودها متعذّر ، لانّ المعاصي غير منحصرة في الافعال الظاهرة ، ولا ريب انّ العلم بانتفاء الباطنة ممتنع عادة بدون الملكة . وأيضا التعليل الواقع في الآيات يوجب عدم قبول خبر من له هذه الحالة كما يوجب عدم خبر الفاسق . وأمّا الضبط : فيراد به غلبة الذكر على السهو وهو من أعظم الشرائط كما قاله العلّامة - رحمه اللّه - : فانّ من لا ضبط له قد يسهو عن بعض الحديث ويكون مما يتمّ به فائدته ويختلف الحكم ، أو يسهو فيزيد في الحديث ما يضطرب به معناه أو يبدّل لفظا بآخر ، أو يروى عن المعصوم - عليه السّلام - ويسهو عن الواسطة ، أو يروى عن شخص فيسهو عنه ويروى عن آخر إلى غير ذلك . فان قيل : كيف يتمّ لنا الحكم بصحة الحديث بمجرّد توثيق علماء الرجال سنده من غير نصّ على ضبطهم ؟ قيل في الجواب : إنّهم يريدون بقولهم : فلان ثقة ، أنّه عدل ضابط . لأنّ لفظ الثقة مشتق من الوثوق ولا وثوق بمن يتساوى بسهوه وذكره أو يغلب سهوه على ذكره . وهذا هو السّر في عدولهم عن قولهم عدل إلى قولهم ثقة . وأمّا الايمان : فاشتراطه هو المشهور . والشيخ « 2 » - رحمه اللّه - اكتفى عنه بالعدالة محتجّا
--> ( 1 ) - الحجرات : 6 ( 2 ) - حكى المحقّق عن الشيخ أنّه أجاز العمل بخبر الفطحيّة ومن شابههم بشرط أن لا يكون متّهما بالكذب ، محتجّا بأنّ الطائفة عملت بخبر عبد اللّه بن بكير وسماعة وبنى فضّال . ( معالم الدين : 200 )